د. حسين اسماعيل يكتب حكاية من حارة احفاد الحرافيش

 

حين يصبح الضعف جمعا

حكاية من حارة احفاد الحرافيش




د. حسين اسماعيل


**في طرف الحارة، حيث تتجاور البيوت خلف أبوابٍ متينة وتعلو الشرفات أكثر مما ينبغي، كانت تعيش عائلات لا ينقصها المال… لكنها كانت تفتقد الطمأنينة. مخازن ممتلئة، وموائد عامرة، وأقمشة فاخرة تُعلّق خلف الأبواب، ومع ذلك كانت العيون تلتفت كل حين نحو آخر الزقاق… حيث يسكن الخوف**

**كان فوق الحارة ظلٌّ ثقيل...**

**ظلّ الفتوة**

**لم يكن يطرق الأبواب كثيرًا، لكنه كان حاضرًا في كل شيء؛ في الهمسات التي لا تكتمل، في الأيدي التي تمتد بالنقود قبل أن يُطلب منها، وفي ذلك القلق الصامت الذي يجعل الإنسان يحرس ما يملك… أكثر مما يحيا به**

لم يكن فقرهم ما** أضعفهم...**

بل خوفهم على ما** يملكون**

كان كل بيت يدفع وحده، لا لأنه عاجز، بل لأنه يخشى أن يكون التالي، وكان كل باب يُغلق بإحكام، لا** ليحمي من في الداخل، بل ليخفي ارتجافه **

ومع مرور الأيام،** صار الامتلاء عبئًا**

**صار ما يملكونه سببًا في صمتهم، لا في قوتهم**

في إحدى الليالي، اجتمع أربعة رجال في بيتٍ واسع، لكن الصمت فيه كان أضيق من أي غرفة فقيرة, جلسوا** متباعدين، كأن بينهم شيئًا غير مرئي يفصلهم **

قال أحدهم وهو يتجنب** النظر في عيون الآخرين:**

**"**كلٌّ منا** يدفع… ولا أحد يسلم"**

**وقال آخر:**

**"**لسنا ضعفاء…** لكننا نخاف أن نخسر"**

سكتوا لحظة، ثم قال** الثالث بصوتٍ منخفض:**

**"وماذا لو لم تكن المشكلة في الخسارة… بل في أن نخسر وحدنا؟"**

كانت الجملة بسيطة،** لكنها سقطت بينهم كشيءٍ لم يكن مسموحًا بالتفكير فيه من قبل**

رفعوا رؤوسهم ببطء.

**لم تكن الفكرة جديدة… لكنها كانت مؤجلة، كأنها تنتظر أن يجرؤ أحد **


**على قولها** 


في** الليلة التالية، لم يجلس كل رجل في بيته كما اعتاد**

وفي** الليلة التي بعدها، لم تعد الأبواب تُغلق كما كانت**

لم** يحملوا سلاحًا، ولم يعلنوا رفضًا، لكنهم فعلوا شيئًا لم يتوقعه أحد...**

صاروا** معًا**

تغيرت** الحارة دون ضجيج**

صار الأطفال يلعبون بين البيوت لا أمام كل بيت وحده، وصارت النساء يخرجن دون أن يلتفتن كل لحظة، وصار الرجال يجلسون ليلًا لا ليحسبوا ما سيدفعونه… بل ليتأكدوا أن أحدًا** لن يدفع وحده**

حتى** الأبواب نفسها بدت مختلفة**

لم** تعد حواجز منفصلة، بل امتدادًا واحدًا… كأن الحارة كلها صارت بيتًا واحدًا**

وفي** يومٍ لم يكن مختلفًا عن غيره، مرّ الفتوة**

توقف** أمام أحد البيوت، كما يفعل دائمًا، منتظرًا ما اعتاد أن يجده**

لكن** الباب لم يُفتح**

انتظر** قليلًا… ثم أكثر**

وقبل** أن يطرق، انفتح الباب ببطء**

لم** يخرج رجل واحد**

خرج** رجلان… ثم ثالث… ثم رابع**

لم** يقولوا شيئًا** فقط

**وقفوا**

نظر إليهم، ثم نظر إلى الأزقة من حوله، فوجد الوجوه تراقب بصمت، لم تكن وجوه تحدٍّ،** لكنها لم تكن وجوه خوف كما اعتاد**

كانت** وجوهًا فقدت شيئًا...** واكتسبت** شيئًا آخر**

قال** أحد رجاله هامسًا:**

**"نأخذها بالقوة؟"**

لم** يُجب**

ظل** ينظر إلى الأبواب التي لم تعد منفصلة، إلى الحارة التي لم تعد كما كانت**

ثم** قال بصوت منخفض:**

**"ليس اليوم"**

**ومضى**

في** تلك الليلة، لم يحتفل أحد**

لم** يعلنوا انتصارًا، ولم يتحدثوا كثيرًا**

لكن** شيئًا تغيّر في داخلهم**

لم** يعد كل واحد منهم يحرس ما يملك وحده...** ولم** يعد يخاف وحده**

جلس** شيخٌ عجوز عند طرف الحارة يراقب ما حدث، فاقترب منه صبي وسأله:**

**"يا عم، هل أصبحوا أقوياء؟"**

ابتسم** العجوز وقال:**

**"لا… لم يصبحوا أقوياء"**

ثم** أضاف وهو ينظر إلى الأزقة التي بدت أوسع مما كانت:**

لكنهم** اكتشفوا أن الخوف...**

حين** يتوزع...**

يفقد** سلطانه**

سكت** قليلًا، ثم قال كأنه يحدّث الحارة كلها:**

في** الحارة، لا يخيف الفتوة أن يكون الناس فقراء...**

بل أن** يدركوا أن ما يملكونه معًا...** أكبر** مما يخشونه وحدهم**

وفي** تلك الليلة، لم يتغير الظلم...** لكن** الخوف لم يعد كما كان**

وحين** قرروا أن يكونوا معًا… تغيّر كل شيء






إرسال تعليق

0 تعليقات