بروفسير عيد كامل حافظ النوقي سلسلة معركة الوعي ديلي جراف 🇸🇴

 

سلسلة معركة الوعي

الوعي بين السياسة، والفكر ،والتربية قراءة في آراء الألفغاني ورشيد رضا

"٨"




بقلم /الأديب والمفكر الدكتور عيد كامل حافظ النوقي. 


مقدمة:


الوعي ظاهرة إنسانية مركزية تتقاطع فيها السياسة، والفكر ،والتربية، وهو القُدرة على إدراك الذات، والعالم وفهم قواعد التفاعل بين الإنسان، ومجتمعه. وقد شغل الوعي بالعديد من المفكرين الإسلاميين في القرن التاسع عشر، والعشرين، وكان من أبرزهم جمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا، اللذين قدّما رؤى مؤثرة حول بناء الوعي الإسلامي في مواجهة التحديات الحديثة.


وهذا المقال يستعرض تصوّراتهما عن الوعي، وكيف تبلورت رؤيتهما في أبعادها السياسية، الفكرية، والتربوية، مع إبراز أثرها في النقد المعاصر.


أولًا: الوعي في رؤية جمال الدين الأفغاني (1838–1897):


أ. الوعي السياسي: الفاعلية والمجتمع


رأى الأفغاني أن الوعي السياسي لدى الأمة الإسلامية ضرورة لاستعادة كينونتها، وصون حقوقها، فكان يعتبر أن الوعي لا يعني مجرد المعرفة، بل العمل بها في سياق القوة ،والمواجهة.


“لا يمكن أن تكون هناك أمة حقيقية دون أن تكون لها إرادة سياسية واعية.”


الفكرة الأساسية عنده أن الوعي السياسي هو وعي بالقانون الدولي، ووعي بحقوق الشعوب، ووعي بضرورة الوحدة ضد الهيمنة.


ب. الوعي الفكري: حرية التفكير ونقد التقليد:


الأفغاني لم يكتفِ بالنقد السياسي، بل دعا إلى وعي فكري نقدي:


رفض الجمود العقلي


شدد على استقلالية العقل


دعا إلى قراءة جديدة للتراث الإسلامي


كان يعتقد أن الوعي الفكري هو أساس النهضة الحقيقية، لأن الأمة إذا لم تراجع أفكارها، فلن تستطيع أن تواجه تحديات العصر.


ج. الوعي التربوي: التعليم كأداة وعي


بالنسبة للأفغاني، التربية ليست تعليمًا معلومات فقط، بل تكوين شخصية واعية مبدعة.


اهتم بالمدارس كمؤسسات تنقل الوعي، ومناهج تعزز الإدراك النقدي والتاريخي.


“التربية بدون وعي التاريخ، والعقل لا تُغني عن جهلٍ محسوب.”


ثانيًا: الوعي في رؤية محمد رشيد رضا (1865–1935):


أ. الوعي السياسي: من الإصلاح إلى المشاركة:


كان رشيد رضا أكثر تركيزًا على الإصلاح الداخلي قبل الانخراط في السياسة الخارجية. رأى أن الوعي السياسي يبدأ من:


إصلاح الذات


تنظيم المجتمع


تعزيز القيم الأخلاقية


كما اعتقد أن الوعي السياسي الصحيح لا يعني العداء للمجتمعات الأخرى، بل التفاعل الحضاري الإيجابي.


ب. الوعي الفكري: التوفيق بين التراث والمعاصرة:


مثل الأفغاني، رأى رشيد رضا ضرورة القراءة الذكية للتراث، لكنه:


وضع منهجًا تربويًا منهجيًا


دعا إلى التوفيق بين العقل: والنقل.


دعّم الفكرة بأن الوعي الفكري يتأسس على فهم صحيح للشريعة مع استيعاب العلوم الحديثة.


“لا إسلام حقيقي بدون فهم العقل، ولا عقل بدون إسلام صحيح.”


ج. الوعي التربوي: المدرسة والمجتمع


اهتم رشيد رضا بضرورة منهج تربوي شامل:


التعليم الديني


التعليم العلمي


التربية الأخلاقية


وكان يرى أن الوعي يبدأ في الأسرة، والمدرسة، وينتقل إلى المجتمع، ثم إلى الأمة.


ثالثًا: مقارنة بين رؤيتي الأفغاني ،ورشيد رضا:


_البعد:


جمال الدين الأفغاني


محمد رشيد رضا


السياسي:


وعي سياسي مباشر لمواجهة الهيمنة الخارجية:


وعي سياسي يبدأ بالإصلاح الداخلي


_الفكري:


نقد الجمود ،والتراث لمنع الانغلاق.


توفيق بين التراث والعقل لمجابهة الحداثة


_التربوي:


تكوين شخص واعٍ نقدي:


بناء منظومة تربوية شاملة.


رابعًا: أهم الاستنتاجات المعرفية:


1. الوعي كظاهرة مركبة.


الوعي لا يختزل في قراءة سياسية فقط، بل هو:


فهم ذاتي


رؤية للمجتمع


قدرة على التفاعل الفعّال


2. السياسة والفكر والتربية مترابطة


أي وعي حقيقي لا يمكن أن ينفصل:


عن السياسة (فهم الواقع)


عن الفكر (تأصيل المعنى)


عن التربية (بناء الوعي المستدام)


3. الدروس المستفادة اليوم؛


من منظور عالمي، يمكن القول إن الأمة الإسلامية في الوقت الحاضر تحتاج إلى:


وعي سياسي مسؤول.


وعي فكري منفتح.


وعي تربوي مبني على المنهج العلمي.


وهذا لا يخص الإسلام فقط، بل هو مطلب حضاري عالمي في زمن المعرفة ،والتقنية.


خاتمة:


إن قراءة الأفغاني ،ورشيد رضا في الوعي تقدم نموذجًا غنيًا لفهم الذات، والمجتمع. الوعي عندهما ليس نظرية باردة، بل ممارسة حياة ،وسلوكًا ،ومجابهةً للواقع. والسياسة، والفكر، والتربية في هذا الإطار  ليست منفصلة عن بعض، بل هي أبعاد لوعي متكامل يَصنع الإنسان قبل أن يقود الأمة.


المراجع :


١)جمال الدين الأفغاني، آثار ومواقف، تحقيق وتحليل، (دراسة حديثة حول أفكاره).


٢)محمد رشيد رضا، منهج الإسلام، (من أشهر مؤلفاته الموجهة لبناء وعي حضاري).


٣)محمد قطب، الوعي والرسالة، (تحليل نقدي لفكر الوعي في الإسلام).


٤)توفيق زياد، النهضة الإسلامية: قراءة تاريخية.




إرسال تعليق

0 تعليقات