التراث بين النقد والنص الأديب والمفكر د. كامل عبد القوى النحاس

 

التراث بين النقد والنص




 الأديب والمفكر د. كامل عبد القوى النحاس  🇪🇬


المقال الثاني:


كَمَالُ البَيَان: كيف نفهم توهُّم التعارض بين آيات القرآن


بين دفتي المصحف الكريم يجري البيان الإلهي في نسق محكم قد تتعدد مشاهده وتتنوع عباراته لكن جوهره واحد لا يضطرب


فالقرآن الكريم كله كلام الله تعالى


الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه


وهو قطعي الثبوت نقل إلينا متواترا جيلا بعد جيل ويستحيل عقلا وشرعا أن يقع في آياته تضاد أو تناقض


وإذا ظن قارئ عند القراءة السطحية أن بين بعض الآيات تعارضا فذلك ظن غير صحيح


لأن الحقيقة أن ما يراه اختلافا إنما هو


تنوع في البيان


أو تدرج في التشريع


أو اختلاف في المقام والحال


وما يسمى بتوهم التعارض ليس خللا في النص وإنما قصور في أدوات الفهم


ويمكن إزالة هذا الوهم من خلال ستة مفاتيح بيانية كبرى


أولا: أطوار الخلق وحدة الأصل وتعدد المراحل


قال الله تعالى


﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾


              آل عمران 59


﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ طِينٍ﴾


                      الأنعام 2


﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾


                    الرحمن 14


وقال سبحانه


﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾


                    السجدة 7


لا تعارض هنا بل بيان متدرج لأطوار الخلق


فالتراب أصل المادة


والطين امتزاج الأصل بالماء


والصلصال مرحلة التهيؤ قبل نفخة الروح


هي مراحل لحقيقة واحدة لا مواد متناقضة


ثانيا: مشاهد القيامة اختلاف المقامات لا تضاد الأحكام


قال الله تعالى


﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾


المرسلات 35–36


وقال سبحانه


﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾


الزمر 31


وقال أيضا


﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾


                الصافات 24


الصمت في مقام


والسؤال في مقام


والخصام في مقام آخر


فليوم القيامة مواقف متعددة


ذهول


وسؤال


وحساب


واعتراف


واختلاف المشهد لا يعني اختلاف الحقيقة


ثالثا: العدل بين الزوجات تكليف بالفعل لا بالعاطفة


قال الله تعالى


﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾


                        النساء 3


وقال سبحانه


﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾


                    النساء 129


العدل المأمور به هو عدل المعاملة والنفقة والقسم وهو داخل في قدرة الإنسان


أما العدل المنفي فهو ميل القلب وهو خارج عن طاقة البشر


وقد كان النبي ﷺ يقول


«اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك»


رواه أبو داود والترمذي


فالآيتان تكامل ورحمة لا تناقض ولا تضييق


رابعا: الصبر والجهاد فقه المرحلة لا اضطراب المنهج


قال الله تعالى في المرحلة المكية


﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾


                     النساء 77


وقال سبحانه في المرحلة المدنية


﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾


                    البقرة 190


وقال أيضا


﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾


                     الحج 39


الصبر كان بناء للإنسان في الفترة المكية


والجهاد كان حماية لهذا البناء بعد الهجرة وقيام الدولة


المنهج واحد


لكن الوسيلة تغيرت بتغير الحال


خامسا: تحريم الخمر التدرج رحمة لا تردد


قال الله تعالى


﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾


                     البقرة 219


وقال سبحانه


﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾


                       النساء 43


ثم قال جل شأنه


﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾


                      المائدة 90


هذا تدرج مقصود


وتربية إلهية


وسحب للداء من النفوس برفق لا بعنف


سادسا: القصاص والعفو اجتماع العدل والفضل


قال الله تعالى


﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾


                       البقرة 179


وقال سبحانه


﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾


                       الشورى 40


وقال أيضا


﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾


                       البقرة 237


القصاص حفظ للمجتمع


والعفو سمو بالروح


والشريعة تجمع بين القانون والفضل فلا تعارض أبدا


الخاتمة:


 مرآة الفهم وشمس النص


آيات القرآن لا تتصادم بل تتساند


ولا تتناقض بل تتكامل


وإذا بدا التعارض فالمشكلة في قصور الفهم لا في كمال النص


قال الله تعالى


﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾


                      النساء 82


تنبيه مهم


هذه المفاتيح الستة على سبيل التمثيل لا الحصر


وإنما هي نماذج تطبيقية لفهم انسجام النص القرآني


ويدخل في هذا الباب أيضا


فهم العام والخاص


والمطلق والمقيد


والمجمل والمبين


والناسخ والمنسوخ بضوابطه


ومقاصد الشريعة الكلية


وسنن التدرج والابتلاء


وهي مفاتيح أخرى ستأتي تفصيلا بإذن الله في مقالات لاحقة ضمن هذه السلسلة المباركة


لتأكيد أن القرآن نص محكم


وأن الخلل لا يكون فيه بل في أدوات النظر إليه


المقال القادم 


 الناسخ والمنسوخ: 


فهم التدرج التشريعي في القرآن


أفعل خيرا وانشره إن رأيت فيه نفعا




إرسال تعليق

0 تعليقات