أقف احترامًا أمام امرأة صنعت تاريخ أمة
وأنا أقرأ سيرة أم سليم رضي الله عنها، توقفت أمامها طويلًا. سألت نفسي: لماذا أثرت فيّ هذه المرأة بهذا الشكل؟
هي الرميصاء بنت ملحان، من السابقات إلى الإسلام. جاءها أبو طلحة رضي الله عنه يريد الزواج منها، وكان لم يُسلم بعد، فجعلت إسلامه مهرها، فأسلم وتزوجها.
وقلت لنفسي ببساطة:
ليت الله يرزقني امرأة مثل أم سليم.
وأنا لا أبحث عن امرأة كاملة، فأنا نفسي لست كاملًا. أتمنى امرأة يكون الدين حاضرًا في حياتها، والعقل حاضرًا عندما نختلف، والرحمة موجودة عندما تتعب بنا الأيام.
ثم وقفت عند أنس بن مالك رضي الله عنه، ابن أم سليم. أخذته أمه إلى رسول الله ﷺ، فخدم النبي عشر سنوات، ثم صار من كبار رواة الحديث.
فكرت وقتها في التربية. أم حملت ابنها إلى بيت النبوة، ولم تكن تعرف أن هذا الطفل سيحمل بعد سنوات إلى الناس شيئًا كثيرًا مما رآه وسمعه من رسول الله ﷺ.
وكان في أسرتها أكثر من نموذج يستحق الوقوف أمامه؛ فابنها البراء بن مالك رضي الله عنه كان من أهل الشجاعة، وقد ورد في فضله قول النبي ﷺ: «رُبَّ أشعثَ أغبرَ مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه».
ثم جاءتني قصة أنس بن النضر رضي الله عنه يوم أُحد. قال وهو مقبل على القتال: «واها لريح الجنة أجدها دون أُحد»، ثم استشهد، حتى إن أخته الربيع لم تعرفه بعد المعركة إلا من بنانه.
توقفت عند هذه اللحظة.
أخت تبحث عن أخيها بين الشهداء، فلا تعرفه إلا من إصبعه.
كم كان الفقد قاسيًا!
وهؤلاء الذين نقرأ عنهم في كتب السيرة كانوا بشرًا مثلنا؛ لهم قلوب تحب، وأهل يفقدونهم، ودموع وحزن. لكنهم كانوا يملكون إيمانًا جعل لحياتهم معنى.
ومن هنا عدت إلى نفسي.
أنا في مرحلة من العمر جعلتني أعرف أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى من يحبه، وإنما يحتاج إلى من يفهمه ويعينه ويكون معه في الأيام الصعبة.
ولهذا، وأنا أتمنى شريكة لحياتي، لا أطلب أم سليم أخرى؛ فهذا مقام لا يتكرر. أتمنى شيئًا من روحها: إيمانًا ورحمة وعقلًا، وامرأة أستطيع أن أبني معها بيتًا ونربي أبناءنا معًا.
وأقولها لله وحده، من غير تكلف:
يا رب، إن كان في علمك أن لي زوجة صالحة، فابعث لي من تحمل شيئًا من روح أم سليم، واجعلني لها كما كان أبو طلحة لأم سليم؛ رجلًا يعرف قدر المرأة التي اختارها، ويكون لها سندًا كما يرجو أن تكون له سندًا.
ربما لهذا كلما قرأت سيرة أم سليم، عدت إلى الدعاء نفسه:
ليت الله يبعث لي أم سليم، لأكون لها طلحة.
رحم الله أم سليم، ورحم الله أبا طلحة، وجزى كل أم أحسنت تربية أبنائها خيرًا.
وأقف احترامًا أمام امرأة صنعت تاريخ أمة.
بقلم




0 تعليقات