بنت الحرام
بقلم الكاتب وشاعر البسطاء سعيدسعيدامام
يوم فرحها وقبل كتب الكتاب بدقايق دخلت ست غريبة القاعة وصرخت بأعلى صوتها
الفرح ده لازم يقف
العروسة دي بنت حرام
القاعة كلها سكتت والناس بصت على العروسة اللي كانت واقفة بفستانها الأبيض جنب عريسها
سلمى حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها وبصت لأبوها عم راضي اللي كان واقف بعيد
الراجل وشه اصفر وإيده بدأت تترعش
العريس حسام قرب من الست وقال لها انتي مين وإزاي تدخلي فرحنا وتقولي الكلام ده
الست بصت لسلمى وقالت
اسألوه هو
اسألوا راضي البنت دي بنت مين
سلمى جريت على أبوها ومسكت إيده
قول لهم يا بابا إني بنتك
قول لهم إن الست دي كدابة
لكن راضي سكت
ولأول مرة في عمرها سلمى شافت أبوها عاجز يبص في عينيها
الحكاية بدأت من خمسة وعشرين سنة
راضي كان راجل بسيط بيشتغل عامل نظافة في مستشفى حكومي
مراته ماتت بعد جوازهم بسنتين من غير ما يخلفوا
وعاش بعدها لوحده في أوضة صغيرة فوق سطح بيت قديم
وفي ليلة شتا كان بيخلص ورديته لما سمع صوت عياط طفلة جاية من ناحية مدخل المستشفى
خرج يشوف
لقى شنطة قماش قديمة محطوطة جنب الحيطة
وجواها طفلة لسه مولودة
متغطية ببطانية خفيفة
وجنبها ورقة مكتوب فيها
سامحوني
أنا مش قادرة أربيها
راضي جري بالطفلة على الاستقبال وبلغ المسؤولين
واتعملت الإجراءات الرسمية واتسلمت الطفلة للجهات المختصة
لكن من يومها صورتها ما فارقتش عينيه
فضل يسأل عنها لحد ما عرف إنها اتنقلت لدار رعاية
كان يروح يشوفها كل ما يقدر
ولما عرف إن فيه طريق قانوني يكفلها ويرعاها تقدم بالإجراءات المطلوبة
وبعد فترة بقت سلمى في رعايته
من يومها حياته اتغيرت
كان بيصحى قبل الفجر يحضر لها الرضعة وينزل شغله ويستعين بجارته الحاجة زينب ترعاها لحد ما يرجع
كبرت سلمى
وأول كلمة نطقتها كانت بابا
يومها راضي قعد يعيط من الفرحة
ولما دخلت المدرسة كان بيغسل هدومه القديمة ويكويها بنفسه عشان يروح معاها أول يوم وهو شكله حلو قدام زمايلها
وفي مرة رجعت من المدرسة بتعيط
سألها مالك يا قلب أبوكي
قالت
البنات بيقولوا إنك زبال
راضي ابتسم رغم الوجع اللي دخل قلبه
وقعد قدامها وقال
أيوه يا بنتي أنا عامل نظافة
بس عمري ما مدت إيدي لحرام ولا أكلتك من حق حد
الشغل مش عيب يا سلمى
العيب إن الواحد يوسخ ضميره
سلمى حضنته وقالت
أنا بحبك يا بابا
راضي رد وهو بيبوس راسها
وانا عايش عشانك يا نور عيني
مرت السنين
سلمى كبرت ونجحت ودخلت كلية الطب
وراضي كان كل ما يشوفها بالبالطو الأبيض يقف قدامها ويقول
سبحان الله
أنا بنضف المستشفى وبنتي هتعالج الناس فيه
وكانت تضحك وتقول
وأول مريض هعالجه انت يا بابا
وفي يوم التخرج وقفت سلمى وسط زمايلها ونادت على أبوها
تعالى يا بابا اتصور معايا
راضي كان لابس بدلة قديمة اشتراها مستعملة مخصوص للمناسبة
قال لها
اتصوري مع صحابك يا بنتي
أنا هدومي مش حلوة
مسكت إيده قدام الناس كلها وقالت
البدلة دي أغلى عندي من كل بدل الدنيا
عشان اللي لابسها هو اللي علمني ووصلني للي أنا فيه
وبعد سنين اتقدم لها حسام
شاب محترم بيشتغل مهندس
وعرف من سلمى إنها نشأت في رعاية راضي وإنه أبوها اللي رباها مش أبوها بالنسب
وقبلها زي ما هي
وقال لها
أنا مش جاي أتجوز شهادة ميلاد
أنا جاي أتجوز إنسانة
واتحدد الفرح
لكن في الليلة دي رجعت الست اللي سابت طفلتها من خمسة وعشرين سنة
كانت عرفت مكان سلمى بعد بحث طويل
ودخلت القاعة وهي مصممة تاخد بنتها بأي طريقة
حتى لو كسرت فرحتها قدام الناس
رجعنا للحظة اللي وقفت فيها سلمى قدام راضي
قول لهم يا بابا إني بنتك
راضي بص لها والدموع في عينيه
وقال
انتي بنتي يا سلمى
بنتي اللي ربيتها على إيدي
الست صرخت
كداب
دي بنتي أنا
أنا اللي ولدتها
سلمى بصت للست في ذهول
والست طلعت ورق قديم وقالت
أنا أمك الحقيقية
راضي سكت
وسلمى رجعت خطوة لورا
قالت
يعني إيه
يعني الراجل اللي عشت معاه عمري كله مش أبويا
راضي قرب منها
لكنها بعدت
وقالت بصوت مكسور
ليه ما قلتليش إن أمي عايشة
قال
أنا ما كنتش أعرف يا بنتي
أنا حكيتلك كل اللي أعرفه عن يوم ما لقيتك
الست قربت من سلمى وقالت
تعالي معايا يا بنتي
أنا أمك
سلمى بصت لها
وسألتها سؤال واحد
انتي سيبتيني ليه
الست سكتت
وبعدين قالت
كنت صغيرة وخايفة وأهلي كانوا هيقتلوني لو عرفوا
سلمى قالت
وطول الخمسة وعشرين سنة دول كنتي فين
الست بدأت تعيط
وقالت
كنت خايفة أرجع
سلمى سألتها
ولما كنت بعيط وأنا صغيرة مين كان بيصحى لي
لما كنت بمرض مين كان بيشيلني على المستشفى
لما كنت بجوع مين كان بيأكلني
لما كنت بنجح مين كان بيقف يزغرطلي وهو راجل
الست ما عرفتش ترد
سلمى بصت ناحية راضي
كان واقف بعيد
راجل كبر قبل أوانه
ضهره اتحنى من الشغل
وإيديه خشنة من المية والمنظفات
لكن عمره ما سابها تحتاج لحد
وفجأة سلمى خلعت طرحة الفرح من على راسها وحطتها على كتفها
ومشت ناحية أبوها
الناس كلها افتكرت إنها هتعاتبه
لكنها نزلت على ركبتها قدامه
ومسكت إيده
وباستها
وقالت وهي بتعيط
سامحني يا بابا
سامحني إني للحظة واحدة خليتك تحس إنك مش أبويا
راضي حاول يرفعها
لكنها كملت
أنا مش عارفة مين جابني الدنيا
بس عارفة مين علمني أعيش فيها
مش عارفة مين أول واحدة شالتني
بس عارفة مين شالني خمسة وعشرين سنة
ومش عارفة مين كان المفروض يحبني
بس عارفة مين حبني من غير ما يكون مجبور
القاعة كلها كانت بتعيط
حسام قرب من سلمى ومسك إيدها
وقال
إحنا هنكمل فرحنا
بس قبل كتب الكتاب أنا عايز أعمل حاجة
راح ناحية راضي
وباس راسه
وقال
أنا النهارده مش باخد منك عروسة وبس
أنا باخد أمانة انت حافظت عليها عمرك كله
ووعد مني إني أصونها زي ما انت صنتها
راضي انهار في العياط
ولما المأذون طلب ولي العروسة بحسب الإجراءات الشرعية والقانونية المناسبة لحالتها اتأكدوا من استكمال المطلوب
وبعد كتب الكتاب
سلمى طلبت الميكروفون
وقالت قدام الناس كلها
أنا عايزة أقول كلمة للست اللي قالت عليا بنت حرام
الناس سكتت
سلمى كملت
أنا ماليش ذنب في الظروف اللي اتولدت فيها
ولا في قرار حد سابني
والطفل اللي بيتساب مالوش ذنب ولا عار
العار الحقيقي على اللي يظلم طفل بريء
وبصت لأبوها وقالت
أما الراجل ده
فهو مش أبويا بالدم
لكنه أبويا بكل يوم جاع فيه عشان أشبع
وكل ليلة تعب فيها عشان أرتاح
وكل جنيه حلال صرفه عليا
وكل مرة خبى وجعه عشان أشوفه بيضحك
وبعدين قالت جملة خلت راضي يحط إيده على وشه ويبكي
أنا مش بنت حرام
أنا بنت راجل حلال
بعد الفرح رجعت سلمى مع جوزها لبيت أبوها القديم
طلعت السلم اللي طلعت عليه آلاف المرات
ودخلت أوضتها
فتحت الدولاب
ولقت علبة صفيح صغيرة
جواها أول جزمة لبستها وهي طفلة
وأول شهادة نجاح
وأول سن وقع منها
وصورة ليها وهي بتضحك من غير أسنان
وتحتهم ورقة قديمة
مكتوب فيها بخط راضي
يا رب أنا ماليش في الدنيا غيرها
يمكن ما تكونش من دمي
بس هي روحي
لو كان ليا عندك دعوة مستجابة
خد من عمري واديها
سلمى قعدت على الأرض وحضنت الورقة
وفي اللحظة دي دخل راضي
شافها بتعيط
قال لها
مالك يا حبيبة أبوكي
قامت جريت عليه وحضنته
وقالت
كنت فاكرة إني أنا اللي ماليش غيرك
طلعت انت كمان مالكش غيري
راضي مسح دموعها وقال
أنا ربنا رزقني بيكي يوم ما كنت فاكر إن الدنيا خلاص قفلت أبوابها في وشي
سلمى باست راسه وقالت
وأنا ربنا رزقني بيك يوم ما الدنيا كلها قفلت بابها في وشي
وبعد سنة
سلمى خلفت ولد
وأول ما راضي دخل يشوفه
قالت له
تعالى يا بابا
شيل حفيدك
راضي مد إيده بخوف
وقال
أنا إيدي خشنة يا بنتي
يمكن أوجعه
سلمى حطت الطفل في حضنه
وقالت
الإيد دي شالتني وربتني وعلمتني
ومفيش في الدنيا إيد أحن منها على ابني
وسألها راضي
سميتوه إيه
سلمى ابتسمت
وقالت
راضي
الراجل وقف ساكت
وبعدين حضن حفيده
ونزلت دموعه على هدوم الطفل
وقالت سلمى وهي بتبص لهم
الناس بتقول إن الدم عمره ما يبقى مية
بس أنا اتعلمت إن فيه ناس مالهاش من دمنا نقطة
وتبقى أغلى من الدم كله
لأن الأب مش بس اللي يكون سبب وجودك في الدنيا
الأب الحقيقي هو اللي يخليك تحس إن الدنيا لسه فيها أمان
بقلم الكاتب وشاعر البسطاء




0 تعليقات