بطل من ورق حين تكشف المواقف حقيقة الأشخاص

 

بطل من ورق

حين تكشف المواقف حقيقة الأشخاص




بقلم: رحاب النحاس


ليس كل من يتحدث عن الشجاعة يمتلكها، ولا كل من يرفع شعارات المبادئ جدير بالدفاع عنها. فثمة أشخاص أتقنوا صناعة صورة براقة لأنفسهم، وأجادوا الحديث عن القوة والكرامة والوفاء، حتى ظن البعض أنهم أصحاب مواقف لا تتبدل. لكن الحقيقة لا تُقاس بما يقوله الإنسان عن نفسه، بل بما يفعله حين تضعه الحياة أمام اختبار حقيقي. فهناك بطولات لا تعيش إلا في الكلمات، وأقنعة لا تصمد طويلًا أمام المواقف.


بطل من ورق هو من يتحدث عن المبادئ ما دامت تخدم مصالحه، ويطالب الآخرين بالشجاعة بينما يتراجع عند أول مواجهة حقيقية. هو من يملأ المجالس بالوعود، ويتصدر المشهد حين تكون المكاسب مضمونة، لكنه يغيب عندما تحين لحظة المسؤولية. وقد يتخلى عن أقرب الناس إليه إذا تعارض الوفاء معهم مع حساباته الشخصية. لا تنقصه الكلمات، وإنما ينقصه الصدق الذي يمنحها قيمتها، والثبات الذي يجعلها قابلة للتصديق.


والمواقف وحدها هي التي تكشف حقيقة الأشخاص؛ ففي أوقات الرخاء يسهل على الجميع ارتداء ثوب الشجاعة، أما وقت الشدة فتسقط الأقنعة دون استئذان. وليس العيب أن يراجع الإنسان أفكاره أو يعترف بخطئه، فهذه شجاعة لا يمتلكها كثيرون، وإنما العيب أن يبدل مواقفه وفقًا لمصالحه، وأن يجعل من المبادئ وسيلة للوصول لا قيمة يؤمن بها. فثمة فرق كبير بين من يغير رأيه اقتناعًا، ومن يغير موقفه انتهازًا.


إن البطولة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج أو استعراض، ولا يصنعها منصب أو نفوذ أو تصفيق عابر؛ بل تصنعها مواقف صادقة تظهر حين يصبح قول الحق مكلفًا، والوفاء صعبًا، وتحمل المسؤولية ضرورة لا مهرب منها. قد تنجح الكلمات في خداع الناس لبعض الوقت، وقد تمنح المظاهر أصحابها مكانة مؤقتة، لكن الحقيقة تظل أقوى من كل ادعاء. فالتاريخ لا يحتفظ بمن أتقنوا تمثيل البطولة، بل بمن امتلكوا شجاعتها، أما أبطال الورق فتسقطهم أول مواجهة مع الحقيقة.








إرسال تعليق

0 تعليقات