الوداع نص مسرحي السيد فريج

 

الوداع



نص مسرحي

السيد فريج 

الشخصيات

جلال الأب

أحمد الإبن

المكان

غرفة متواضعة لبيت متهالك في إحدى الحارات الفقيرة بالقاهرة

المشهد الأول :

أمام الباب الخشبي القديم قاتم اللون للغرفة وبطرقة ضيقة ، يقف جلال شيخاً في الخمسين وإنْ كان مظهره يوحى بعمر أكبر بملامحه الدقيقة الحادة لبشرة سمراء ولحية كثيفة ، يرتدي ملابس متواضعة لعامل بمصلحة السكة الحديد ، يسند ظهره للباب وقد بدا الاجهاد واضحاً عليه وكأنه قد أتى سيراً على الأقدام لمسافةٍ طويلة أو أنَّه قد أجهد ذهنه لأمرٍ يشغله ويسيطر على تفكيره ، يتصبب جبينه عرقاً ، يتوجه لفتح الباب ودخول الغرفة غير أنَّه يتراجع ويعود لوضعه السابق موجهاً نظراته لصورة شاب يكاد يطابقه في الملامح لبرواز خشبي يظهر من الحبل المعلق به أنَّه على حالته منذ أعوامٍ مضت .

الجو بالغ السخونة رغم انتصاف الليل تقريباً والمكان مضاء بمصباح كهربي على شكل "فانوس" مما كان الفقراء بالأحياء الشعبية يتخذونه للإضاءة والزينة .

يحادث جلال الصورة بصوتٍ يُسْمَع بصعوبة متقطعاً مغلفاً ببكاءٍ ونحيبٍ وقد أغرقت الدموع لحيته متزاوجةً وحباتُ  العرق المتدفقة من جبينه بغزارة " آه ياأحمد لو علمت ما جئتكَ به من مفاجآت أدعو الله أنْ يتحملها قلبك الطيب الحنون ، أتَعْلَم ياأحمد أني ظللتُ طوال ليلِ أمس ونهار هذا اليوم إلى أنْ أتيتَكَ لا عمل لي غير التفكير فيك والانشغال بك ، فكم تأثرتُ بكلماتك وحديثك معي بالأمس ، حتى كنتُ أحادثُ نفسي في صمت ، وكنتُ أسمع زملائي بالعمل يتهامسون في دهشة يعتقدون أنِّي قد جننت أو أصابني مس  ولا يعلمون أنِّي في أفضل أوقات حياتي من الصفاء القلبي وحسن التفكير ، نعم يا حبببي لقد دار حوارٌ طويل بيني ونفسي ، أسترجعُ كلماتِك وأعيدها على مسامعي بنغمات صوتك الحزين وكم انفعلت لها وتقطع قلبي من أجلك ، كنتُ أحلل كلَّ كلمة .

لا ترهق نفسك وتتحدث حبيبي

نعم نعم نعم اعرف كل كلمة تنطق بها 

[ الرجل يحادث نفسه وكأنه يرى أحمد في الصورة يجيبه ! ]

نعم حبيبي ، أوجعتني تلك الدموع تسقط من عينيك تحمل ألماً يستجدي أملاً ، كنتَ محقاً فيما قلت ، قلتَ أننا فقراء ونعم نحن فقراء وإنما اعتراضي على كلامك ليس لكوْنهِ خطأً إنما اعتراض مني أنْ تكون أو تصبح فقيراً مثلي وكنتُ أدعوك ألَّا تستسلم فالفقر ليس قدر إنما من صناعة البشر وقد نهش لحمي وأذهب عقلي وقَيَّدَ حياتي وضاعت معه أحلامي وأيامي ، كنتُ مدركاً أنْ لا يأس مع الحياة وأدركتُ الآن أنْ لا حياة مع الفقر فنحن نعيش القَدْرَ المتاح آخذين في الاعتبار كل علامات التحذير بعدم التجاوز ،  لقد صرعتُ الأيام وصرعتني حتى اقتنصت من الزمن فرصة لك بشهادة جامعية ظننتُ أنْ تضعك على أول الطريق وغاب عني أنَّ ما سعيتُ له لم يكن إلَّا حصولك على ترخيص يسمح لك بدخول حظيرة الفقر لتصطف بجواري "بالبكالوريوس" وموافقة حكومية .

أرجوك حبيبي كُفّْ عن البكاء ، فإني أتقطع يوميا مئة مرة وأنا أراكَ لا تستطيع أنْ تدبر ثمن قميصٍ أو حذاء وقد أعطيْتَ لأمكَ كل راتبك مساعدةً في تدبير إحتياجات البيت وجهاز أختك لإتمام زفافها وقد تأجَّل أكثر من مرة لعجزنا عن الوفاء به ، كنتُ أراكَ تذبل أمام عينيَّ والعمر يجري بك وأعلم يقيناً أنَّ من حقك كأيِّ شاب أنْ تتزوج وتُكَوِّن أسرة ، وأشهدُ يا أحمد أنك شابٌ ملتزم بارٌ  بي وأمك ، كم أحبك يا أحمد وأشفقُ عليك إنما ما باليد حيلة ، لقد كان حديثك معي بالأمس علقماً ومُراً ملأ حلقي حزناً وأسى أنْ تكون أسأتَ الظن بي وتخيلتني ذاكَ الأب القاسي عديم الشعور والمشاعر [ الرجل يتحدث بسرعة وبلا انقطاع باكيأ وكأنهُ يوقن بأنَّ ابنهُ يسمعه بل ويتجاوب معه ] 

نعم ياحبيبي أنتَ كما أنتَ مهذبٌ طيب لم تحرجني أو تجرحني ولو بكلمةٍ واحدة إنما هكذا فهمتُ حديثك .

حبيبي أحمد ، الحقُ بجانبك ولقد راجعتُ نفسي وصرتُ على قناعةٍ تامةٍ بعدالة مطلبك وسلامة حجتك وأعترفُ لك حبيبي أني كنتُ مخطئاً 

[ الصوت لم يعد همساً إنما اصبح أكثرَ وضوحاً وقد كفَّ جلال عن البكاء وقد ارتاح ضميره أنْ وصل إلى هذه النتيجه ، يستدير فجأة وبلا تفكير يحاول فتح الباب دون جدوى وقد تعجَّبَ أنْ يكونَ مغلقاً من الداخل وهو ما لم يحدث قبل ذلك أبداً ، الأمر الذي أشعرهُ بالقلق وقد زاد بعد تكرار طرق الباب دون مجيب … وقد أخذ يحادث نفسه  "ءإلى هذه الدرجة مستغرق في النوم يا أحمد" ، ومع القلق والطرق وعدم الرد يدفع الباب بقوة …

المشهد الثاني :

يُفْتَحُ الباب عن نافذةٍ وحيدة مغلقة في مواجهة الباب ومروحةٍ سقفية عتيقة معلقة بقضيبٍ حديدي يكسوه الصدأ وكثيرٌ من الحشرات ، تحجبُ ضوءًا باهتاً منبعثاً من مصباحٍ كهربي وأسفل الشباك سرير حديدي متهالك يجاور مكتباً خشبياً قديماً مصفوف عليه بعض من الكتب والأوراق وقلم حبر أسود ، وإليه كرسيّ من الخيرزان قد أنهى خدمته منذ زمن طول ، كل ما بالغرفة يبعث على الأسى والكآبة ، غير أنَّ كلَّ ذلك يهون أمام تلك المفاجأه التي أذهبت مفاجآت جلال أدراج الرياح ، حبل مربوط بالمروحة يدور حول نفسه مثبت بإحكام وبنهايته يلتفُ حول عنق أحمد وقد فارق الحياه ، لسانه يتدلى من فمه ، يرتدي قميصاً أبيضاً مكتوب عليه باللون الأسود { قتيل الحب والكارهون هانئون } ، وأسفل قدميه مقعد من الخشب ملقى على جانبه قد استعمله أحمد لإتمام عملية الشنق بعد إذْ أصدرَ حكماً بالإعدام ونفذه وبجواره ورقة مطوية قد سقطت من يده لحظة أنْ مات .

جلال وقد تسمرت قدماه من هول ما رأى وعيناه شاخصتان ثابتتان على وجه أحمد وقد تحجرت فيهما الدموع وبحركة لا إرادية يدور حول أحمد ثم يتوقف وعيناه لا تفارقان وجه وحيده يتحسس قدميْه ويقبلهما وقد تحشرجت الكلمات في حلقه لا تغادره وكأنه قد فقد صوته مع إبن عمره ، يلتقط الورقة أنْ رآها  وكميِّت تخرج الحروف من فمه إنما بنبرات صوت إبنه كأنه يحادثه 

" أبي الحبيب

كم أحبك ، أعتذر لِما سببته لك من ألمٍ أدركهُ جيداً ،  إنما هو القدر الذي حكم علينا بالفقر والبؤس والحرمان قد كتب علينا النهاية المحتومة ، أعلمُ أنك وأمي وأختي الحبيبة ستحزنون كثيراً لأجلي ، بارادة مسلوبة أنهيْتُ حياتي حتى لا أخالفُ لك رأياً أو أعصى لك أمراً ، حبيبي لقد تعلق قلبي بيسرا كثيراً وقد ارتبطت روْحانا لسنواتٍ مضت ، ولو وافقتني أبي على الزواج منها ما سبَّبَ ذلك لكم ضرراً ، وأقسمُ حبيبي أنِّي حاولتُ الإبتعاد عنها أو نسيانها ولم أستطع ولقد تقطَّعتُ بينك وبينها ، كم استعطفتُكَ أبي وكم بكت أمي لأجلي بغير جدوى حتى تيَقَنْتُ أمام إصرارِك َورفضِكَ أنْ لا فائده ولم أرَ مبرراً لذلك ، نعم حبيبي راتبي قليل ، لكن باللهِ عليك أبي هل هناك أمل في التغيير أو التحسن؟ نحن فقراء أبي ، هذه حقيقة ويسرا أيضاً فقيرة .

حبيبي ، حين تقرأ رسالتي تذكَّر  أنِّي قبَّلتُ يديك وقدميكَ بالأمس ورجوتكَ باكياً وبكت أمي كثيرا راجية لك أن توافق وازداد اصرارُكَ على الرفض ، وقد قلتُ لكَ أبي أنِّي مريضٌ بها فما عسايَ أن أفعل [ ينفجر الرجل باكياً وقد ابتلعه العرق وأغرقت لحيته الدموع ، يدق رأسَهُ بقبضةِ يدهِ بعنف ويكمل … ] 

"حبيبي

الحقيقة الآن أنِّي فارقتُ الحياه [ يجهش بالنحيب والتأوه والبكاء ] ، وددتُ أنْ أُوصيكَ بيسرا خيراً ، فهي وحيده ، مات أبواها وليس لها أخوة ولم يكن لها في الحياة سواي وكم رجوْتكَ أبي أنْ تتعرف عليها وكنتُ واثقاً أنكَ ستحبها غير أنَّكَ رفضت ، إنَّها رائعة يا أبي بلغها وأمي وأختي سلامي ، كم أحبكَ حبيبي فلا تُحَمِّل نفسك ذنب ما أصابني ، إنَّهُ القدر والآن وداعاً حبيبي … "

تسقط الورقة من يد جلال وقد اتجه ناحية أحمد مُخَلِّصَاً رقبته من الحبل وقد حمله ليسجيه على السرير ويقبل وجهه ويديه وقدميه ثم يضع رأسه على صدره مستجدياً القدر أنْ لا يكون فارق الحياه ، لكن هيهات ، ويصرخ جلال صرخة مرعبة ترافقها شهقة طويلة ليتنبه مَن في البيت ، وقد رفض القدر أنْ تكون "الوداع" كلمة النهاية ليصطحب جلال إبنَهُ في رحلةٍ أخرى … { النهاية }

إرسال تعليق

0 تعليقات