من إصلاح الفهم إلى يقظة الوعي
معركة الوعي و تأسيسها
في مدرسة الأفغاني و رشيد رضا" 1"
بقلم الأديب والمفكر البروفيسور الدكتور عيد كامل حافظ النوقي
(1) مدخل تأسيسي: معركة الوعي قبل معركة الأرض:
ليست الأمم التي تُهزم بالسلاح فقط هي التي تسقط، بل تسقط أولًا حين ينام وعيها، ويضطرب فهمها، وتفقد ثقتها بذاتها، وتختلط عليها معايير الحق والباطل. ومن هنا كانت معركة النهضة في جوهرها معركة وعي قبل أن تكون معركة قوة.
يقول الله تعالى:
“كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ” (المدثر: 31).
وفي هذا إشارة إلى أن الهداية والضلال مرتبطان بحال العقل والقلب معًا.
ويقول تعالى:
“أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” (محمد: 24)،
وهو خطاب صريح لإيقاظ العقل ومنع الجمود.
وقد قال الإمام الغزالي:
“العلم نور يقذفه الله في القلب.”
وهذا يعني أن إصلاح الأمة يبدأ من إصلاح الفهم، لا من تراكم المعلومات.
من هنا نفهم أن مشروع الإصلاح عند جمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا لم يكن سياسيًا فحسب، بل كان في جوهره مشروعًا لإيقاظ الوعي الحضاري للأمة عبر إصلاح العقل، وإحياء الروح، وتصحيح الفهم.
(2) أزمة الوعي: بالأمس، واليوم:
أولًا: أزمة الوعي في عصرهما:
واجه الأفغاني ،ورشيد رضا واقعًا مضطربًا تمثّل في:
الهيمنة الاستعمارية الغربية على العالم الإسلامي.
الجمود الفكري ،والتقليد الأعمى.
ضعف الثقة بالذات الحضارية.
تفكك الأمة سياسيًا وفكريًا.
انفصال الدين، عن الواقع العملي.
وقد عبّر محمد رشيد رضا عن ذلك في مقدمة تفسير المنار حين قال إن الأمة أصيبت بـ “الجمود الذي عطّل العقول وأضعف الهمم”.
ثانيًا: أزمة الوعي اليوم:
نعيش اليوم أزمة مشابهة ولكن بأدوات جديدة:
استعمار رقمي، وإعلامي بدل الاستعمار العسكري المباشر.
تضليل بالمعلومات بدل المنع الصريح.
استهلاك ثقافي بدل بناء معرفي.
تفكك في القيم بدل تفكك في الحدود فقط.
وهنا تبرز أهمية العودة إلى مدرسة الإصلاح التي أسّسها الأفغاني وعمّقها رشيد رضا.
(3) جمال الدين الأفغاني: إيقاظ العقل… طريق يقظة الأمة:
يمكن تلخيص مشروع الأفغاني في ثلاث ركائز كبرى:
أ) تحرير العقل من الجمود
كان الأفغاني يرى أن أول خطوة للنهضة هي تحرير العقل من التقليد الأعمى.
يقول في بعض مقالاته:
“الأمة التي لا تفكر لا يمكن أن تتحرر.”
وهذا ينسجم مع قوله تعالى:
“قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ” (يوسف: 108).
فالبصيرة هي وعي مبني على عقل مستنير.
ب) الوحدة الإسلامية كوعي جامع
لم تكن دعوة الأفغاني للوحدة الإسلامية مجرد شعار سياسي، بل كانت:
وحدة هوية
وحدة رسالة
وحدة وعي
وحدة مصير
كان يدرك أن الأمة المشتتة لا يمكن أن تكون واعية، وأن الوعي الجماعي يبدأ من إدراك المشترك بين المسلمين.
ج) مقاومة الاستعمار بالفكر قبل السلاح:
رأى الأفغاني أن الاستعمار يسيطر أولًا على العقول قبل أن يسيطر على الأرض.
ومن هنا جاءت معركته في الصحافة والفكر والخطاب العام.
الدلالة الشرعية لذلك نجدها في قوله تعالى:
“إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد: 11).
فالتغيير يبدأ من الداخل — من الوعي.
(4) محمد رشيد رضا: من إصلاح الفهم إلى بناء الوعي:
إذا كان الأفغاني قد أيقظ الروح، فإن رشيد رضا عمل على بناء العقل المنهجي عبر مشروعه في تفسير المنار.
أ) إصلاح الفهم الديني
ركّز رشيد رضا على:
ربط القرآن بالواقع.
محاربة الخرافة والجمود.
قراءة النص في ضوء المقاصد.
الجمع بين النقل والعقل.
كان يرى أن فساد الأمة يبدأ من فساد الفهم، وأن إصلاحها يبدأ من تصحيح الفهم.
قال رحمه الله في المنار:
“الدين جاء لإصلاح الدنيا والآخرة معًا.”
ب) التربية على التفكير لا التلقّي:
لم يكن هدفه تخريج حفظة نصوص فقط، بل تخريج:
عقول ناقدة
قلوب واعية
نفوس مسؤولة
وهذا يتوافق مع قول النبي ﷺ:
“الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها.” (رواه الترمذي)
ج) الدين كمنظومة حضارية:
رأى رشيد رضا أن الإسلام ليس طقوسًا فردية فقط، بل:
نظام أخلاقي
رؤية حضارية
منهج حياة
أساس للنهضة
ومن هنا كانت دعوته إلى ربط الدين بالعلم والعمل والسياسة والأخلاق.
المقال الثاني
من إصلاح الفهم إلى يقظة الوعي (2)
تكامل المدرستين ودروسهما لبناء وعي الأمة اليوم
(5) الأفغاني ورشيد رضا: تكامل لا تعارض
يمكن تلخيص العلاقة بينهما في الجدول الفكري التالي:
المجال
جمال الدين الأفغاني
محمد رشيد رضا
المدخل
سياسي – فكري
ديني – تربوي
الهدف
إيقاظ الأمة
إصلاح الفهم
الوسيلة
الصحافة والخطاب العام
التفسير والتعليم
النتيجة
بعث الروح
بناء العقل
بعبارة دقيقة:
الأفغاني أيقظ الأمة، ورشيد رضا علّمها كيف تفكر.
(6) دروس معاصرة لوعي الأمة اليوم
من مدرسة الأفغاني ورشيد رضا نستخلص خمس قواعد كبرى لبناء وعي الأمة اليوم:
القاعدة الأولى: لا نهضة بلا وعي
النهضة تبدأ من العقل، لا من المال ولا من القوة فقط.
القاعدة الثانية: إصلاح الفهم قبل إصلاح الواقع
إذا فسد الفهم، فسد العمل.
وإذا صلح الفهم، صلح المسار.
القاعدة الثالثة: تحرير العقل من التبعية
الأمة الواعية لا تستورد أفكارها دون نقد وتمحيص.
القاعدة الرابعة: الدين بوصفه قوة حضارية
الدين ليس عائقًا للتقدم، بل محركًا له إذا فُهم فهمًا صحيحًا.
القاعدة الخامسة: الوعي الجمعي يصنع المستقبل
الأمة الواعية قادرة على التغيير، حتى لو كانت ضعيفة ماديًا.
(7) إسقاطات تطبيقية على واقعنا المعاصر
إذا أردنا تطبيق فكرهما اليوم، فعلينا أن نعمل على:
إصلاح التعليم ليصنع مفكرين لا موظفين.
إصلاح الخطاب الديني ليكون مقاصديًا وعقليًا ومتوازنًا.
تحصين الشباب فكريًا ضد التضليل الإعلامي.
بناء ثقة الأمة بذاتها بعيدًا عن عقدة النقص.
إحياء قيمة العقل النقدي بدل ثقافة القطيع.
(8) خاتمة تركيبية جامعة
لقد أيقظ جمال الدين الأفغاني روح الأمة حين كانت غارقة في سباتها، وعمّق محمد رشيد رضا هذا الإيقاظ عبر إصلاح الفهم وبناء العقل. ومن هنا فإن طريق النهضة اليوم يمرّ حتمًا عبرهما.
إن الأمة التي تريد النهوض لا بد أن تبدأ من الداخل:
عقلًا مستنيرًا
قلبًا حيًا
فهمًا صحيحًا
وعيًا جامعًا
وخلاصة القول:
إصلاح الفهم هو بوابة يقظة الوعي، ويقظة الوعي هي بوابة نهضة الأمة.

0 تعليقات