زيزي كرم و "ملاذ الروح" ترانيم الوفاء في حضرة النقاء بقلم رابح زهران
تنساب كلمات الشاعرة زيزي كرم في قصيدتها "ملاذ الروح" كجدول ماءٍ صافٍ، لتسقي جدب المشاعر في زمن الماديات. النص ليس مجرد أبياتٍ منظومة، بل هو "وثيقة حب" صاغتها روحٌ تدرك قيمة السند والاحتواء. وتتجلى جماليات هذا النص في المحاور الآتية:
أولاً: السمُو الروحاني والقدسية
بدأت الشاعرة بوصف المحبوب بـ "الآية النازلة من الرحمن"، وفي هذا اختيارٌ عبقري؛ فهي تنزع عن الحب صبغته الأرضية لتلبسه ثوباً سماوياً مقدساً. الحب هنا ليس عاطفة عابرة، بل هو "منحة إلهية" و"ملاك" يطهر النفس ويمنحها السكينة.
ثانياً: فلسفة "المرسى والبوصلة"
في قولها "يا مرسى لقلبي وسفينة"، تبرز جمالية الجمع بين الاستقرار (المرسى) والانطلاق (السفينة). المحبوب هو الوطن الذي تنتهي عنده المتاعب، وهو في ذات الوقت المحرك الذي يدفع الإنسان لمواجهة الحياة. ثم تعزز ذلك بـ "شوفت الدنيا بعيونك"، لتعلن أن الحب ليس مجرد مشاعر، بل هو "رؤية جديدة للعالم" وتصحيح لمسار النظر.
ثالثاً: بلاغة "الارتقاء بالخطيئة إلى الغفران"
من أجمل اللفتات الشعرية قولها: "وغفرت بحبك ذنوبي"؛ وهنا تلميحٌ جمالي إلى أن الحب الصادق يهذب النفس، ويغسل أوجاع الماضي، ويجعل الإنسان يبدأ صفحة بيضاء مع الحياة ومع نفسه، وكأن القرب من المحبوب "طهارة" للروح.
رابعاً: التلاحم الحسي والوجداني
استخدمت الشاعرة صوراً حسية دافئة (إيديك بتحضنها إيدي)، وصوراً وجدانية عميقة (نبض بيجري في وريدي)، مما خلق حالة من "الاتحاد" بين الطرفين. هذا التلاحم يؤكد أن المحبوب صار هو الهوية والكيان، وليس مجرد طرف آخر في علاقة.
خامساً: الموسيقى والسهل الممتنع
تفوقت الشاعرة في اختيار بحر شعري يتسم بالخفة والرشاقة، وقوافٍ قريبة من الأذن تمنح النص جرسًا موسيقيًا عذبًا. اللغة جاءت "بيضاء" تمزج بين الفصاحة والبساطة، مما جعل النص يصل إلى قلب المتلقي دون حواجز، وهو ما يُعرف في الأدب بـ "السهل الممتنع".
الخلاصة:
قصيدة "ملاذ الروح" هي لوحة فنية رُسمت بمداد القلب، نجحت فيها زيزي كرم في تجسيد معنى "السند" بأبهى صوره، مختتمةً نصها بالدعاء، لتربط الأرض بالسماء وتجعل الحب عهداً وثيقاً لا يقطعه إلا الموت.

0 تعليقات